قبل مائة عامٍ تقريباً، نشر عالم الاجتماع الالماني جورج سيمل دراسته المهمة عن القتال (سيمل 1908). وبصدور دراسته هذه، يكون سيمل من بين طلائع المفكرين الذين تجاوزوا حدود التفكير التطوري التقليدي حول العنف الذي اعتاد النظر إلى الصراع بين المجموعات بوصفه أداةَ للاصطفاء التطوري. وكان من المعتاد، على وفق وجهة النظر التطورية، النظر إلى الحرب بوصفها تمثل شيئاً ما قد تطور، بموازاة عناصر المخزون الثقافي الأخرى، من عدوانية بدائية غير منتظمة في أعماق الجنس البشري إلى الحرب الممكننة الحديثة كما وصفها المنظر العسكري كارل فيليب فون كلاوسيفيتز. أما العنف فيمثل، بحسب سيمل، حدثاً تزامنياً ونوعاً من العلاقات الاجتماعية القائمة بين الأفراد والجماعات. وهذا العنف يخدم أغراضاً محددةً في المستويين الواقعين بين الجماعة وضمنها. وهذه المقاربة الوظيفية التي اعتمدها سيمل قد أسهمت، بلا أدنى شك، في فسح المجال أمام الباحثين لدراسة المواجهات العنيفة على وفق مناهج أنثروبولوجية حديثة تنظر إلى هذه المواجهات بوصفها أفعالاً اجتماعية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح الأفراد الواعين وقناعاتهم.